ابن قيم الجوزية
171
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
إزعاجا . وفي أخرى : توقدهم إيقادا أي : كما يتحرك الماء بالوقد تحته . قال أبو عبيدة : الأزيز : الإلهاب والحركة ، كالتهاب النار في الحطب ، يقال : أزّ قدرك ، أي : ألهب تحتها النار ، وائتزت القدر : إذا اشتدّ غليانها . وهذا اختيار الأخفش . والتحقيق أن اللفظة تجمع المعنيين جميعا . قالت القدرية : معنى أرسلنا الشياطين على الكافرين : خلّينا بينهم وبينها ، ليس معناه التسليط . قال أبو علي : الإرسال يستعمل بمعنى التخلية بين المرسل وما يريد ، فمعنى الآية : خلّينا بين الشياطين وبين الكافرين ، ولم يمنعهم منهم ، ولم يعدهم ، بخلاف المؤمنين الذين قيل فيهم : إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان . قال الواحدي : وإلى هذا الوجه يذهب القدرية في معنى الآية . قال : وليس المعنى على ما ذهبوا إليه . وقال أبو إسحاق : والمختار أنهم أرسلوا عليهم ، وقيّضوا لهم بكفرهم كما قال تعالى : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ( 36 ) [ الزخرف ] وقال : * وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ( 25 ) [ فصلت ] وإنما معنى الإرسال التسليط . قلت : وهذا هو المفهوم من معنى الإرسال كما في الحديث : « إذا أرسلت كلبك المعلم » « 1 » أي : سلطته ، ولو خلّى بينه وبين الصيد من غير إرسال منه ، لم يبح صيده ، وكذلك قوله : وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ( 41 ) [ الذاريات ] أي : سلطناها وسخرناها عليهم . وكذلك قوله : وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ ( 3 ) [ الفيل ] وكذلك قوله : إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً ( 31 ) [ القمر ] .
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 175 ) ، ومسلم ( 1929 ) عن عديّ بن حاتم .